الغزالي

64

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

العقل » . وقال عليه الصلاة والسلام : « من سلّ سيف الجور سلّ عليه سيف الغلبة ولازمه الغم » كما قال الشاعر : تقطب منك طلق الوجه يوما * ترى بالعدل عن جور جزاء فقل للناس ما تهوى استماعا * ولا تقتل إن اخترت البقاء جاء في الخبر أن داود عليه السلام كان ينظر يوما فرأى شيئا ينزل من السماء مثل النخالة فقال : إلهي ما هذا ؟ فقال : هذه لعنتي أنزلها على بيوت الجائرين . حكاية : لمّا قعد أنوشروان في المملكة كتب إليه يونان الوزير فقال : اعلم أيها السلطان أن أمور الملك على ثلاثة أشياء : إمّا أن ينصف رعيته ولا ينصف منهم وذلك هو الدرجة العليا ، أو ينتصف وينصف وهي الدرجة الوسطى ، أو ينتصف ولا ينصف وهي الدرجة السفلى ؛ فانظر أيها الملك إلى هذه الثلاثة واختر أيها أردت ، وأنا أعلم أن مولانا يختار الأولى . كما قال الشاعر : من أنصف الناس ولم ينتصف * بفضله منهم فذاك الأمير ومن يرد إنصافهم مثلما * أنصف أضحى ما له من نظير ومن يرد إنصافه وهو لا * ينصفهم فهو الدنيء الحقير نصيحة وموعظة : دخل شبيب بن شيبة يوما على المهدي فقال : يا أمير المؤمنين إن اللّه قد أعطاك الدّنيا فأعط رعيتك قسطا من طيب عيشك ! فقال المهدي : وما الذي ينبغي أن تعطى الرعية ؟ فقال : العدل ، فإنه إذا نامت الرعية في أمن منك نمت آمنا في قبرك . وقال : احذر يا أمير المؤمنين من يوم لا ليلة بعده ، ومن ليلة لا يوم بعدها ، واعدل ما استطعت فإنك تجازى بالعدل معدلا وبالجور جورا ، وزيّن نفسك بالتقوى فإنك في الحشر لا يعيرك أحد زينته . كما قال الشاعر : فحل نفسك بالتقوى وزيّنها * فلن يعار تقي في الناس من رجل وليس تبلى يد المعروف فاحظ بها * تربح كثيرا ورأس المال لم يزل حكاية : وصل كتاب من قيصر ملك الروم إلى الملك العادل أنوشروان يقول : بما ذا يكون دوام الملك ؟ فكتب إليه في الجواب جواب ذلك : إني لا أعمل شيئا بجهالة ؛ وإذا أمرت بأمر تممته ولا أتركه لخوف ولا لرجاء . يريد أنني إذا أمرت بشيء لا أبطله لأجل من يرجوني أو يخافني ، وأن لا أغير شيئا أمرت به .